أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
435
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
الكتاب والسنة ، ولا يلزم من عدم العمل بها انتقادها على أهلها ، فإن العلم واسع ، له ظاهر وباطن ، ومسائل الإلهامات تارة ترد على حسب العلم الظاهر ، وتارة ترد على حسب العلم الباطن ، فإن لم تفهم فسلم ودع ما تعرف لما لا تعرف . وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه يقول : من آداب مجالسة الصديقين أن تفارق ما تعلم لتظفر بالسر المكنون انتهى . يعني إن أردت أن تظفر بما عندهم من السر المكنون فأسقط عنهم الميزان في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ، وأما ما دمت تزن عليهم بميزان علمك فلا تشم رائحة من سرهم . وكان شيخ شيوخنا سيدي على رضي اللّه تعالى عنه يقول : طريقتنا لا ينال منها شيئا إلا من يصدق بالمحال . فإن أردت يا أخي أن يهب عليك نسيم أسرارهم ونفحات مواهبهم فدع ما تعرف إلى ما لا تعرف ، واغتسل من علمك وعملك حتى تبقى فقيرا إلى ما عندهم كما فعل شيخ طريقتنا الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه . ولقد حدثني من أثق به أن الشيخ أبا الحسن رضي اللّه تعالى عنه طلع إلى الشيخ ابن مشيش رضي اللّه تعالى عنه بالميزان ، فلم يشم رائحة الولاية ، فرجع ثم طلع ثانيا كذلك ، فرجع كما طلع ، فلما أسقط الميزان واغتسل من علمه وعمله وطلع فقيرا أغناه اللّه . قال له الشيخ ابن مشيش : يا أبا الحسن طلعت إلينا فقيرا من علمك وعملك فأخذت منا غنى الدارين انتهى . نفعنا اللّه بذكرهم ونفح علينا ما نفح عليهم ، حتى نستغني بهم غنى لا فقر معه أبدا آمين . ثم إن هذه الواردات التي تتجلى بالحقائق والعلوم إنما هي واردات أهل النهاية ، وأما واردات أهل البداية فإنها تأتي قوية قهارية : إما بخوف مزعج ، أو شوق مقلق ، لترحله عن شهواته وعوائده ، وهي التي ذكرها الشيخ بقوله : 216 - متى وردت الواردات الإلهية إليك هدمت العوائد عليك : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها [ النمل : 34 ] . قلت : الوارد الإلهي هو قوة شوق أو اشتياق أو محبة يخلقها اللّه في قلب العبد ، وقد تنشأ عن قوة خوف أو هيبة أو جلال ، فتزعجه تلك القوة إلى النهوض إلى مولاه ، فيخرج عن عوائده وشهواته وهواه ، ويرحل إلى معرفة ربه ورضاه ، وقد تترادف عليه أنوار تلك المحبة والشوق فتغيبه عن حسه بالكلية ، وهو الجذب ، وإنما جمع الواردات باعتبار تلك المحبة